محمد بن علي الشوكاني
5648
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
يفهم كتاب الله وسنة رسوله [ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] ( 1 ) على مقتضى لغة العرب فلا يتم له معرفة أصل معنى اللفظ إلا بمعرفة علم اللغة ، ولا يتم له معرفة أصل أبنية الألفاظ العربية إلا بمعرفة علم الصرف ، ولا يمكنه معرفة الحركات الإعرابية إلا بعلم النحو ، ولا يمكنه معرفة دقائق العربية وأسرارها إلا بعلم المعاني والبيان ، ولا معرفة قواعد اللغة الكلية إلا بعلم الأصول . ولهذا كانت هذه العموم هي المقدمة في العلوم الاجتهادية ، وإن خالف في [ اعتبار ] ( 2 ) البعض منها في الاجتهاد بعض أهل العلم ، فالحق اعتبار الجميع ( 3 ) ؛ لأن فهم لغة العرب على الوجه المطابق لما كانت عليه اللغة لا يتم [ 1 ب ] إلا بذلك ، ولا ريب أن دقائق اللغة يستفاد من العلم بها العلم بدقائق الكتاب والسنة ، والدقائق [ 2 ] تستخرج منها الأحكام الشرعية كما تستخرج من الظواهر . إذا تقرر لك هذا فاعلم أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ إنما ] ( 4 ) قال لوفد بني عامر لما قالوا : أنت
--> ( 1 ) زيادة من ( ب ) . ( 2 ) في ( ب ) اختيار . ( 3 ) تقدم ذكر ذلك مرارا . انظر الرسالة رقم ( 60 ) ، ( 64 ) . ( 4 ) في ( ب ) : أنه . قال الخطابي في " معالم السنن " ( 5 / 155 ) : قوله : " السيد الله " يريد أن السؤدد حقيقة الله عز وجل ، وأن الخلق كلهم عبيد له . وإنما منعهم - فيما ترى - أن يدعوه سيدا مع قوله : " أنا سيد ولد آدم " ، وقوله لبني قريظة : " قوموا إلى سيدكم " - يريد سعد بن معاذ ، تقدم - من أجل أنهم قوم حديثو عهد بالإسلام ، وكانوا يحسبون أن السيادة بالنبوة كما هي بأسباب الدنيا ، وكان لهم رؤساء يعظمونهم ، وينقادون لأمرهم ويسمونهم السادات ، فعلمهم الثناء عليه وأرشدهم إلى أدب ذلك ، فقال : " قولوا بقولكم " يريد : قولوا بقول أهل دينكم وملتكم ، وادعوني نبيا ورسولا كما سماني الله - عز وجل - في كتابه فقال : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ } ، { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ } ، ولا تسموني سيدا كما تسمون رؤساءكم وعظماءكم ، ولا تجعلوني مثلهم ، فإني لست كأحدهم ، إذ كانوا يسودونكم بأسباب الدنيا ، وأنا أسودكم بالنبوة والرسالة ، فسموني نبيا ورسولا .